بعد أن جلس صاحبي ورضي بحاله، عادت إليه صورة البئر التي استوقفته، فشعر بأن غربته تشبه غربة تلك البئر المهجورة، البئر التي حبستها الأرض في بقعة واحدة منها فصارت غريبة مقيدة، فلم يجد الغريب نفسه إلا عائداً إلى بئره، ليغرق معها في سكرها، ويشرب من خمرها، فلما وصل إليها سمعها تنادي:
يا مِثْلاً مثلي لا ترجع
واصبر في بعدك لا تخنع
لا طب لديّ يداويك
سلّم بالقسمة ولْتقنع
فصاح الغريب منادياً البئر، مناجياً أعماقها، طالباً الأنس معها، والقرب منها، والسكنى بجوارها:
يابئراً مثلي لا تعرض
وارفق بفؤادي ولتسمع
هل عني حدثك المغرض
أم آتي بشفيع يشفع
فأنكرته بئره ولم ترد عليه سوى برجيع صوته الذي ردده في أعماقها، ولكن الغريب زاد في استجدائه ورجاها أن لا تنفر منه أو تعرض عنه، فسألته البئر عن سبب تمسكه بها وهي المحبوسة:
لا ترجو مني إيناسا
لا تطلب مني ما أفقد
فابحث عن غيري من يعطي
ما قد يطربك وقد تسعد
هل حر مثلك يرجوني
وأنا في الحبس هنا أقعد
فاهتز صدر صاحبي واحمرت عيناه وبكى بكاء مراً، فيه مرارة شقائه وآلام بحثه عن هواه، فسقطت دمعتان من عينيه في قعر البئر، فظنت البئر أن مطراً سيهطل، فصاحت منذرة:
ابحث عن مأوىً يؤويك
فالغيث شديد يؤذيك
























