إيقاعــات شجريــة
كتبهاأحمد الرحال ، في 23 مارس 2007 الساعة: 04:09 ص
أيتها الشجرة الظليلة . . . حدثيني عن نفسك . . . عن أعماقك . . . عن تاريخك . . . حدثيني عما جرى أمامك . . . تحت ظلك . . . حدثيني عن طيورك التي تتراقص على أغصانك وعن ما دَبَّ تحتك وفيك . . . أنت كبيرة وجذورك عميقة . . . فكيف ستبدأين وماذا ستقولين؟
آوي لظلالك من هول
وأنا المظلوم بلا حول
سَرِّي بنسيمك عن نفسي
ودعيني أنظم من قولي
اهتزت الأرض من تحت صاحبي هزة توحي بعملاق يستيقظ بعد نوم عميق تحت الأرض . . . ففزع صاحبي وانتفض . . وصاح صيحةَ مَنْ كَادَ قلبُه أن ينخلع . . ثم سمع نداء تحت قدميه . . إنه نداء يحرك ساق الشجرة، ويجعل أغصانها تتمايل وأوراقها تجاوب صفير ريح أحدثها التحريك.
أيتها الشجرة ما الذي جرى؟ وما هذا الذي هزك من تحتك؟ هل شيء أخافك فَرَوَّعَكِ؟ أم هم أصابك فَأَفْزَعَكِ؟
فإذا بالشجرة ترد عليه: أيها الغريب هذه أعماقي تأثرت لحالك . . هذه جذوري العميقة هزت جسمي القائم . . فَحَركَتُهَا كدقات القلب الثائر وسكونها كطمأنينة الروح الآمنة .
فقام صاحبي من جلوسه، وتحرك من سكونه، واستعد ليتفاعل مع حديث الشجرة الكبيرة، وكأنه نسي همومه العظيمة.
وبدأت الجذور تتكلم وهو يتفاعل معها ومع حديثها، تارة يتكئ على ساق شجرته، وتارة يتقلب على أرضها . . يجلس حيناً ليمسك غصنا قديما وقع منذ زمن، وينظر إلى السماء حينا من خلال أوراق الشجرة وفروعها.
قالت الجذور كلاما لم تسمعه أذنا صاحبي . . ولم يفهمها سوى قلبه ووجدانه، وكأنها ألحان خفية لا تعرف سرها إلا الروح . . . إنها لغة عجيبة تحمل في طياتها موسيقى تشكلت من آلات مختلفة . . فيها اللحن الحالم وفيها الحركات الموسيقية تتراقص على سلم موسيقي بديع . . وعلى كل فاصلة موسيقية تنزل قرعات قوية تعبر عن العمق وعن الهول وعن نهاية فقرات الأحلام القادمة من جذور الشجرة.
إنها اللغة الموسيقى، المعزوفة على أوتار الجذور، تبدأ بناي حزين يأتي كصفير الريح في ظلام الصحراء لا يملك صاحبي معه إلا أن يصغي إصغاء المهموم الذي امتزجت روحه مع صوت الناي . . ثم يأتي العود برناته وهي تُسْعِفُ الوجد وكأن الأنامل العازفة لم تلمس في حياتها شيئاً سوى أوتار عودها . . فيتحرك قلب صاحبي حركة من تلقى عزاء بعد حزن طويل . . ثم تدخل نقلات الكمان الجميلة وكأنها أمواج عشق تحمل صاحبي من عالم إلى عالم . . من عالم الحزن العميق إلى عالم العشق الرقيق . . ولكن قرعات الطبول تهجم حيناً حيناً لتوقظ صاحبي من حُلْمِه وتذكره بحاله.
إنها لغة جذرية الإيقاع . . شجرية الإبداع . . لا يمكن أن تفهمها أذن أو أن يتتبعها عقل، لسان حالها يقول:
من عمق التاريخ الماضي
من قلب المحكوم القاضي
من أزمان فيها عبر
إيقاعات للانهاض
من أعماقي فاسمع حكمي
كيما تُشْفى من أمراض
أيها الغريب انظر إلى نظيرتي فوق الأرض . . خاطب هذه الشجرة التي عاشت حقيقة البشرية الحالمة . . عاشتها مع شقشقات الطيور وعزف الرياح على الغصون . . عاشت أحلام الدنيا في روائح الربيع وأحزان الخريف . . في شدة الصيف ودموع الشتاء . . هل تدري أيها الغريب أن كل شيء عانيتـَه أنت وعشتـَه وأثقلك حتى تحطم بئر وتحركت جذور . . أن كل شيء جعلك تسير في هذه الصحراء الكبيرة وحيداً . . أن كل شيء مثله أو أكثر منه هو قصة من قصص بعض أغصاني ولحن من ثنايا ألحاني . . غير أنك عشت لنفسك وما فكرت إلا في شدتك . . ونسيت أن الدنيا مدرسة كبيرة تعلمك كما تأخذ منك لغيرك . . وتعطيك كما تأكل من سعادتك.
أيها الغريب إذا دخلت الواحة التي من خلفي فسترى ما يسليك أو ربما يحزنك . . أدخل لتجد لك ملجأ وملاذاً في بحيرة صافية ترى فيها صورتك وتخبرها عن نفسك، لتحدثك هي بالتالي عنك بصفاء كصفائها، فإذا عطشت فاشرب من عذب مائها الممزوج بروائح الزهور الناعسة والورود الفواحة.
هذه المرة لم يجلس صاحبي كعادته مستسلماً لهمومه، فقد شعر بطعم جديد فانطلق مسرعاً نحو بحيرته الموعودة ليرى فيها صورة نفسه وليسألها عن حاله، ولكنه مازال يشعر أن همومه أكبر بكثير من أصداء شجرة مهما كبرت وغاصت جذورها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























