حطــام البــئر
كتبهاأحمد الرحال ، في 21 مارس 2007 الساعة: 02:28 ص
بعد أن جلس صاحبي ورضي بحاله، عادت إليه صورة البئر التي استوقفته، فشعر بأن غربته تشبه غربة تلك البئر المهجورة، البئر التي حبستها الأرض في بقعة واحدة منها فصارت غريبة مقيدة، فلم يجد الغريب نفسه إلا عائداً إلى بئره، ليغرق معها في سكرها، ويشرب من خمرها، فلما وصل إليها سمعها تنادي:
يا مِثْلاً مثلي لا ترجع
واصبر في بعدك لا تخنع
لا طب لديّ يداويك
سلّم بالقسمة ولْتقنع
فصاح الغريب منادياً البئر، مناجياً أعماقها، طالباً الأنس معها، والقرب منها، والسكنى بجوارها:
يابئراً مثلي لا تعرض
وارفق بفؤادي ولتسمع
هل عني حدثك المغرض
أم آتي بشفيع يشفع
فأنكرته بئره ولم ترد عليه سوى برجيع صوته الذي ردده في أعماقها، ولكن الغريب زاد في استجدائه ورجاها أن لا تنفر منه أو تعرض عنه، فسألته البئر عن سبب تمسكه بها وهي المحبوسة:
لا ترجو مني إيناسا
لا تطلب مني ما أفقد
فابحث عن غيري من يعطي
ما قد يطربك وقد تسعد
هل حر مثلك يرجوني
وأنا في الحبس هنا أقعد
فاهتز صدر صاحبي واحمرت عيناه وبكى بكاء مراً، فيه مرارة شقائه وآلام بحثه عن هواه، فسقطت دمعتان من عينيه في قعر البئر، فظنت البئر أن مطراً سيهطل، فصاحت منذرة:
ابحث عن مأوىً يؤويك
فالغيث شديد يؤذيك
والقطر ثقيل آلمني
فإذا ما كف أناديك
يا بئري المسكينة، هل تدرين أية غيمة تلك التي أسقطت عليك من قطراتها، وألهبتك بجمراتها، وأذاقتك مر آهاتها؟؟؟ إنها جمرة من جمرات غيمة حمراء كالجحيم، بياضها صار مشوهاً بخطوط حمر، رمشها ذبل، ومقلتها عميت، وارتسم تحتها ظل أسود من السهر والأرق والشدة.
تعجبت البئر ورددت: أية غيمة تلك التي تحكي عنها، وأي احمرار وأية خطوط؟؟؟
فسقطت دموع وتوالت على البئر حتى أشفقت حين أحست بطعمها وأثقالها فشعرت حينئذ بصاحبها وقالت له:
الآن أحس بآلام
وأحس الآهة في دمعك
وشعرت بشدة أيام
رغّبت المحنة في لسعك
أيها الغريب … مرت بي قوافل كثيرة، وجالسني عشاق آخرون، رأيت أهوالاً عظيمة، وشكى لي غرباء تائهون، نصحتُهم، فمنهم من انتصح ومنهم من قضى في همه، منهم من مر حاملاً أثقاله، ومنهم من غير بنصيحتي حاله … أيها الغريب .. عرفتُ دموعاً قبل دموعك ورأيت شحوباً غير شحوبك، ولكن لم أجد أثقل من دمعك، ولم أحس بمرارة كمرارتها، فمن أنت وماذا تحس وممّ تشكو؟؟؟
وقعت كلمات البئر على الغريب موقعاً شديداً وأبكته أكثر ورد رد المشفق على نفسه:
ويلي من حالي من ضيقي
من بحثي عن نهر جنوني
أشكو من مر في ريقي
من عشق غاب ويحدوني
ثم قال كلاماً نزل على البئر كالصواعق، واخترق ظلامها كالسهام فلم تحتمل البئرُ حتى رأتها عينا صاحبي وهي تتحطم ركاماً فوق ركام، فتيقن صاحبي من شدته التي فاقت كل نظير حتى حطمت البئر العتيقة، فسار مرة أخرى يجر أثقاله باحثاً وهو في تلك الصحراء القاحلة ورمالها الجافة، تلفح وجهه سمومها وتلسع جبينه شمسها، لم يعرف ماذا يفعل، إن جلس احترق في الرمال، وإن سار تعبت الأوصال، حتى رأى شجرة كبيرة، فسار نحوها ليحمي نفسه مما هو فيه من حر وعذاب، فلما اقترب منها قالت له: تعال أيها الغريب، فإن حكايتك مع البئر قد عرفناها، وأخبارك علمناها…. تعال وخفف عن نفسك قليلاً….
فجلس إليها تحت ظلها واستسلم لهمومه مرة أخرى كعادته واكتفى بذلك، قناعة منه بعدم جدوى الكلام ……………….. مرة أخرى.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























