الغـــريب

كتبهاأحمد الرحال ، في 21 مارس 2007 الساعة: 00:13 ص

في صباح يشبه غيره، يعقبه ضحىً كالذي سبقه أو يأتي بعده، وفي ظهيرة يشتد حرها ويشتد بردها، ومساء شحيب كئيب ككل مساء. في يوم كغيره من الأيام وليل أشد من الليل الذي أرخى سدوله على امرئ القيس … في ذلك اليوم من أيام الغربة، ليست غربة عن الوطن ولا هي غربة عن الحزن والشجن، في ذلك اليوم المسكين المتألم خرج صاحبي يبحث عما افتقده منذ زمن بعيد، خرج يبحث عن نفسه في وجوه لم يأنس منها وجهاً، وفي أقفاء لم ينكر فيها نفوراً، خرج في ذلك الهدوء العاصف، المليء بالحياة التي اعتادها وعرف سكونها، خرج يبحث عن نفسه التي نسي أن يبحث عنها منذ زمن ليس بالقصير، حتى كاد ينساها، خرج في البرد الذي كان يلامس صفحة وجهه ببرد قارس قاتل، ولكنه كان يسير ويشق طريقه إلى حيث لا يدري في ذلك البرد وهو مملوء في أعماقه بالعواصف الباردة والساخنة.. المدمرة والمجمدة…

حاول أن يجد تعبيرا يناسب حالته فلم يشعر إلا بنفسه وهو يصيح صيحة مكتومة في أعماقه:

أســـير اليوم كالمعتوه كالمصفوع كالجاني

وأبحث عن شراييني وعن أوصال إنساني

أســــــير مطــالبا نفسي ونفسي لا تراعيني

أصيــــــــــح بها ألا تدرين أني لست ألقاني

 

وإذا به يسمع صدىً آخر يتردد في أعماق أعماقه:

تــــرد النفس في حزن وفي خوف معذبة

أيــــــا مسكين لا تشكو تعلم كيف تؤويني

أتشكــو لي على ضعفي ألا تكفيك أحزاني

إذا مــــــاشئت قاسمني دموعاً من ملاييني

دموعــــــــــــاً طعمها مر تغني مر ألحاني

فزاد الضيق من نفسي وفي نفسي وأعياني

 

هده ذلك الرد اليائس … دمره ذلك القول البائس، ماذا حل به؟ أين هو؟ ماذا يريد؟ ألم يكن هو الذي اختار طريقه بنفسه؟ ألم يقرر البحث عن شاطئه وبر أمانه؟ صار كالمجنون الذي يفر من كل شيء إلى لا شيء، يحمل معه كنوز عواطفه وحبه … ألم يكن هو الذي سمع صوت الريح يوما يقول له: سر معي ولا تتردد … فإن طريقك في مهبي، فرد هو على الريح سائلاً: هل تطاوع قلبي؟ هل تعرف طريق حبي؟ ولكنه عاد فلم يسمع إلا صفيراً لا معنى له…ففر كالمجنون خائفاً باحثاً تائهاً…

أفر اليوم كالمجنـــــــون من ظلي ومن قولي

وأبحث عن نجاة الروح في قلبي وفي عقلي

فــــــــزاد تمزق الروح على قلبي على ظلي

على الأحزان في قولي وفي عقلي وفي ليلي

فقلبي صــــــــــــاح في ألم لغربته من الوجد

وعقلي عاجــــــــــز أبدا على الأفكار والفقد

وقولي ألهب الأشجـــان في روحي لكي تغلي

 

وفي لحظة … تسمرت قدماه أمام بئر عميقة … خاطبها فسمع لحن شعره وأناشيد نظمه وتناسق نثره … لم يعجبه تكرار البئر فعاد إلى نفسه يبكي حاله:

 

نظمـــت الشعر لم يكف، نثرت القول في خطبي

وكــــــــــــم لحنت من أنشودة في النفس والقلب

فما في الشـعر ما أرجو وكم في النثر من خطْب

ولحني أهطــــــل الأمطار من دمعي على حبي

 

وازداد الهم واشتد الخطب وتعاظم الصراع في داخله، فرأى ما رأى على غير ما يرى الناس:

 

أرى الأفـــراح أحزاناً وفي الأحزان كم أغدو

ونفسي صارعت نفسي على نفسي لكي أشدو

فمـــــــــات الشوق والتعبير والإنشاد والسعد

وحــــــــــل الضيق والتعجيز والتوهين والقيد

وزاد الدمــــــع زاد الحزن زاد الهجر والوجد

 

وبعد تعب وإرهاق، وخوف وإشفاق، أسدل الستار ليقنع نفسه أنه هو هو بحاله وعلى حاله لم يتغير ولن يجد أمله، فرضي بما كان عليه وقبل بغربته التي لم تعد غربة عن الوطن، بل صارت غربة عن الواقع المملوء بالأشواك والحدة… عبر عن نفسه وعن روحه وعن الوجد…

 

فلا نفسي لهـــا نفس ولا روحي تعانقني

ولا الانسان أملني ولا في الحب ساندني

ولكن زادني حنقاً على نفسي وعانـــدني

 

رضي مجبراً وخاف من البحث ثانية لأنه كلما بحث ازداد تعباً واشتد خطبه ……..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر